Friday, Nov 15th, 2019 - 22:02:45

Article

Primary tabs

من نافذتنا المطلّة على الشارع العام... بقلم مارينا روفايل

في يومٍ من الأيّام قيل لنا بأنّه توجد نافذةٌ مشرقةٌ مفعمةٌ بالأمل ومليئةٌ بالثقة والطمأنينة. نافذةٌ تشرف على بلد الأمن والأمان وكلّ الألوان،  ومنذ ذاك الحين رحنا نبحث عن تلك النافذة علّنا نستشعر بعضاً من السلام وراحة البال... وها قد وجدنا نافذة صغيرة تطلّ على الشارع العام حيث زحمة السيارات الخانقة تلاقي أصوات الناس الخافتة...

نظرنا جيّداً وبحثنا... فلم نجد تلك القطعة السماويّة المنسيّة على الأرض والتي كانت في يومٍ مصدر إلهام للعديد من الشعراء والكتّاب حول العالم... أمعنا في التأمل غير أننا عجزنا عن رؤية ألوان الفرح والسلام، ولم نتمكّن حتى من رؤية بصيص أملٍ واحدٍ يدفعنا للتفاؤل بمستقبلٍ واعدٍ.

فمن تلك النافذة التي تآكلها الغبار، رأينا أناسٌ مثقلين بالهموم والهواجس... رأينا موظفين يتهامسون في السرّ حول رواتبهم وعمّا إذا كانوا سيتقاضونها في نهاية هذا الشهر... رأينا عمّالاً قلقون على مستقبلهم في المؤسسات التي أمضوا فيها سنين عمرهم... رأينا مسنّون يفترشون الطرقات بحثاً عن لقمة عيش مذلّة في آخر أيّام حياتهم!

من تلك النافذة لم نرَ سوى شبانٌ وشابات يتجهون بشهاداتهم المجبولة بالكدّ والتعب نحو السفارات بحثاً عن فرصة ولو حتى في بلاد "القرود السود"...من تلك النافذة رأينا أباً يحرق نفسه بعدما ضاقت به الحياة وأمّاً تتوّسل مدرسة أبنائها علّها تسهّل لها دفع الأقساط المترتبّة عليها بعدما طمعت بتأمين مستوىً علمي لائق لفلذات كبدها.

من تلك النافذة، رأينا جبلاً شامخاً مكللاً بأطنان من النفايات السامة وودياناً تتهيأ للتحوَل الى برك اسمنتية قبيحة ...

من تلك النافذة رأينا أنهراً قذرة سوداء تفوح منها رائحة الأمراض القاتلة... 

من تلك النافذة رأينا بلداً يذوب كالثلج على وقع انشغال مسؤوليه بتقاسم ما تبقى من فتات...

من تلك النافذة شاهدنا مأساة شعبٍ قرّر الإستسلام لليأس بعدما اختبر معاناة الحرب المدمّرة وألم الجوع المذلّ في وقت السلم!  

وبعد التأمل مطوّلاً أدركنا أن هذه النافذة ليست سوى الحقيقة المرّة التي تبقى بعيدة عن نظر مسؤولينا ونوافذهم المخمليّة السحرية التي تنقلهم الى عالمٍ غير موجود سوى في مخيلاتهم.

 

نقفل تلك النافذة لنعود الى شاشاتنا علّنا نسمع خبراً يفرح قلوبنا مع انطلاقة حكومة العمل، وإذ بنا نغرق في جدلٍ بيزنطي عقيم حول الزواج المدني وتشريعه في الوقت الذي بات الوضع الإقتصادي في مهبّ الريح بما ينذر بكارثة وشيكة، وهنا نقف متعجبّين متساءلين، أوليس الأجدى الإنصراف فوراً الى معالجة الأوضاع المتفاقمة وعقد جلسات حكومية طارئة لإنقاذ ولملمة ما يمكن إنقاذه؟ أوليس الأجدى الاتجاه الى وقف مزاريب الهدر والفساد في الإدارات والمؤسسات والمرافق العامة بدل التلهي بجنس الملائكة في موضوع الزواج المدني؟ بالله عليكم ألم يحن الوقت لإيجاد حلَ جذري لمغارة علي بابا المتمثلة بالكهرباء؟ ألم يحن الوقت لمعالجة الفضائح والثغرات الفاقعة في القطاع التربوي؟ ألم يحن الوقت لتحديث شبكات البنى التحتية المهترئة....؟ 

وبعد، كلّ يوم نستيقظ على قضيّة خلافيّة جديدة وكلّ يوم يطفو على السطح ملفٍ تخويني قديم، وكأّن البلد ماشي والشغل ماشي وما ينقصنا كدولة مكتملة المواصفات هو فقط تشريع الزواج المدني!

حضرات أصحاب السعادة والمعالي لقد طفح الكيل، لقد بلغت الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية ذروتها في الإنحطاط، هناك مؤسسات تقفل أبوابها بصورة يوميّة مخيفة، هناك موظفون يتحولون بين ليلة وضحاها الى عاطلين عن العمل، هناك آباء وأمهات يعجزون عن تأمين مستلزمات عيش أولادهم الأساسيّة، هناك جيلٌ كاملٌ من الشباب فقد الثقة بكم وكفر بهذا البلد وأنتم السبب...

حضرات أصحاب السعادة والمعالي ليتكم تبادرون فوراً الى اتخاذ خطوات اصلاحية جريئة بعيداً عن سياسية النكايات المقرفة التي تنتهجونها، ذلك ان كلّ ما وعدتم به من إصلاح كان عبارة عن سياسة " قوم حتى أقعد محلّك"... فعذراً منكم، ما هكذا يكون العمل الجدّي وما هكذا يكون التغيير!  

حضرات أصحاب السعادة والمعالي لقد آن الآوان لتستيقظوا من سباتكم العميق وأحلامكم الورديّة، فلقد أتت الساعة التي فيها لن ترحمكم نار الفقر والعوز، فجورج زريق ليس ولن يكون وحيداً، بل هناك الآلاف من الذين باتوا قاب قوسين او أدنى من ساعة التخلي... فحذاري اللعب بالنار، لأن لعنة الفقراء ستلحق بكم الى يوم القيامة!

Back to Top