Article

Primary tabs

خاص برايفت ماغازين - رئيس دير الرب – القليعة الأب يوسف باسيل: مع يسوع لا مجال لوجود مهمشين

مشروعنا الأساسي هو زرع النور في عيون الناس

لأن الخدمة هي رسالة مقدسة، ولأن الإنسان هو جوهر الرسالة، كان لا بدّ للآباء أن يتحدّوا كلّ المخاطر وكلّ الظروف السيّئة من أجل أبناء الله المهمشين. فهؤلاء أعطوا من دون أن يسألوا عن إسم، أو دين، أو جنسية أو حتى هوية. هؤلاء كرّسوا ذاتهم من أجل أن يكونوا العون والسند لمن قست عليهم ظروف الحياة وظلمتهم.
ورغم الواقع المرير لم يستسلموا ولم ييأسوا، وكيف لهم ذلك وهم أبناء الرجاء؟ لقد عمل رهبان الرهبانية الأنطونية المارونية في المناطق الحدودية الجنوبية على غرس الأمل في النفوس وزرع النور في العيون. فهم أيقنوا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم وعملوا على توفير مستقبل لائق لشباب وشابات تلك المنطقة انطلاقاً من إيمانهم بحق هؤلاء في توفير صرحٍ تربوي يليق بهم وحضن إجتماعي دافئ يحيطهم.
إلى دير الرب في منطقة القليعة الواقعة في جنوب لبنان على سفح جبل الشيخ - حرمون الذي يسمى بجبل التجلي، توجهت أسرة مجلتنا للقاء رئيس دير الرب التابع للرهبانية الأنطونية المارونية الأب يوسف باسيل الذي حدثنا عن تاريخ وجود الرهبانية في المنطقة ورمزية الدير التاريخية بالإضافة إلى المسائل التربوية الشائكة في ضوء الإشكاليات والشائعات التي رافقت الإمتحانات الرسمية.
وفي ما يلي أبرز ما دار في اللقاء.

- ماذا تقولون عن تواجدكم في هذه المنطقة وماذا تعني لكم الخدمة في مناطق الأطراف؟
إن وجود الرهبانية الأنطونية المارونية في هذه المنطقة يعود الى ثمانينات القرن الماضي، مع الآباء الذين كانوا يأتون إلى المنطقة عبر البحر من أجل خدمة المنطقة. وعندما قرر هؤلاء الثبات هنا، أبصرت فكرة ولادة الدير النور وتمّ تأسيس الدير وتسميته باسم دير الرب بحكم موقعه على سفح جبل الشيخ حيث تجلّى السيد المسيح. علماً بأن تسمية الدير أتت أيضاً، نتيجة ما عايشه أهالي المنطقة والذي يرمز إلى التجلي. إذن نحن نتواجد عملياً على الأرض منذ العام 1982، وقد تولى التدبير الأباتي بولس تنوري وسيادة المطران الحالي للأراضي المقدسة موسى الحاج ومن ثمّ بنى الأباتي مارون أبو جودة الرئيس العام الحالي والأب روجيه وهبه الحبيس الدير، بخدمة الرعايا بحيث بات هناك حركة معينة وبات للرهبانية وقعاً مميزاً في المنطقة كلّها، مع الإشارة إلى أن الخدمة كانت تشمل جميع الناس من دون اي تمييز طائفي أو مذهبي لأن جوهر رسالتنا هو الخدمة.

- كبف وصلتم الى هنا، وكيف تعاطيتم مع الواقع الصعب في البلدة؟
لا شك أن صعوبات كثيرة واجهتنا وتواجهنا في مسيرتنا الإنسانية والتعليمية النبيلة، فكلنا نعلم خطورة وصعوبة الأوضاع السياسية في البلد ومدى تأثيرها على بيوتنا وطلابنا، لكننا كنّا وسنبقى على إستعداد لإستيعاب المشاكل وإستثمار طاقات المتعلّمين بما يؤول إلى خيرهم وتقدمهم الإنساني والعلمي والروحي.
أنا وصلت إلى هنا بقرار من الرهبانية نقلني من حصرون إلى مرجعيون، وصلت وكانت ديون المدرسة التي نتواجد فيها حالياً تفوق الـ 600 مليون ليرة بحيث بات الإقفال أمراً لا بدّ منه.
وهنا بدأت في العمل على تحسين الوضع الأكاديمي للمدرسة، إنطلاقاً من قناعتي بأن الجمع بين خدمة الرعية وإدارة صرحٍ تربوي لا يجوز، كما قمت بجدولة عمليات الدفع وعملت على توقيف الهدر في مسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إنّما وبعد كلّ تلك الإجراءات تبيّن لنا أن الديون تزداد ولا قدرة لنا على الإكمال، عندها قررت الرهبانية أن تأخذ هذه المؤسسة على عاتقها، لأن أوضاع المنطقة تحكم. علماً بأن دولتنا الكريمة هي المسؤولة الأولى عن هذا الوضع بسبب تقصيرها الفاضح على كافة المستويات. من هنا، عملنا نحن كآباء وإخوة على مساعدة الناس حتى تتمكن من عيش حياتها بالرقي الإنساني الذي يسمح لها ان تتنفسّ، فنحن لا نبحث عن عدالةٍ إجتماعية بقدر رغبتنا أن نكون العصا التي يتكئ عليها من هم في حاجة، لأننا نؤمن بأنّ مع يسوع لا مجال لوجود مهمشين.

- ماذا عن أجواء العيش المشترك في المنطقة؟
نحن نعيش في هذه المنطقة معنى التجلي الحقيقي وشبيبتنا خير دليل على هذا، بحيث تجمع في صفوفها شبان وشابات من مسيحيين ومسلمين يعيشون الكلمة الواحدة ويعملون على مساعدة الفقراء وأنسنة الإنسان. من هنا، أتت فكرة إعداد الشبيبة الأنطونية إلى جانب الدير والمدرسة تكريساً لمفهوم التجلي ورمزيّته الروحيّة. لا سيّما أن هذه المنطقة تحمل إرثاً راقياً.
فبالنسبة لنا، نحن لا نفرّق بين إنسان وآخر، على إعتبار أن الإنسان هو قيمة بحدّ ذاته بغض النظر عن طائفته، مذهبه أو لونه أو أي شيء آخر. من هنا، دعوتنا لعدم التعلق بقشور الدين، بل بالجوهر، فنحن لا نختلف على الأسس والرموز، ومشروعنا وهمنا الأساسي هو أن نزرع النور في عيون الناس.

- كيف تقيّمون وضع المدرسة حاليّاً؟
تضم المدرسة حالياً 130 تلميذاً و«عم نكبر» ، علماً بأنها تتميّز بهويّتها الخاصة جدّاً، فنحن مدرسة ثلاثية اللغات، نعمل على تقوية اللغات عند الأولاد منذ الصغر، كما نخصص حصصاً للأنشطة بالإضافة إلى الحساب الفوري الذي يلعب دوراً رئيسياً في تنمية المخيّلة عند الأطفال، بحيث نسعى إلى ملئ ذاكرتهم بالأمور التثقيفية. مع الإشارة إلى أننا لا نرسل مع التلميذ دروساً إلى المنزل، فهو يتعلّم ويشاهد تطبيقات حيّة مع أساتذته في المدرسة، أمّا في المنزل فالعمل يبقى إختياريًا. كذلك نحن ادخلنا نظام الـ «اي سكول» الحديث ما يتيح للأهل فرصة متابعة أولادهم بالمدرسة لحظة بلحظة.
- كيف تقيّمون المناهج التربوية الحالية؟
هناك مشكلة كبيرة على هذا المستوى، إذ توجد بعض المعلومات الأساسيّة التي حذفت كما تمّ إضافة بعض الأمور الهامشية التي برأينا لزوم ما لا يلزم. من هنا، ندعو اليوم إلى ضرورة تحديث البرامج حتى تكون متسلسلة. فللأسف لقد تراجعنا في مجال ربط المعلومات ببعضها البعض، فيما نحن بأمسّ الحاجة إلى إعادة النظر بكيفيّة جمعها وترتيبها لإيصالها بطريقة منطقية وسليمة للتلميذ، فالشهادة ليست مجرّد ورقة يمكن شراؤها كما بات الوضع الحالي. اليوم صحيحٌ ان الـ Pedagogie باتت أوضح وأسهل، إنما أيضاً تم تفريغها من مضمونها، بحيث بتنا نفتقد للأسلوب القديم، الذي كان يساهم بتغذية دماغ الإنسان وتوسيع أفاقه، فاليوم لم يعد لدينا قدرات تحليلية مثل السابق وذلك بسبب هذه المناهج.

- كيف تنظرون إلى الإمتحانات الرسمية، وهل هي ضرورية برأيكم؟
في الحقيقة، أتحفظ في الردّ على هذا الموضوع، مع تشديدي على ضرورة طرح هذه القضية للمعالجة، فكيف لطالبٍ راسب في مدرسته وبمعدلات منخفضة جداً أن ينجح في الإمتحانات الرسمية. هناك حلقة ضائعة، وهذه الحلقة يعمل وزير التربية الحالي على حلّها. فهناك مشكلة على مستوى المراقبة والتصحيح وتسريب الأسئلة. إن ما يفعله الوزير شهيّب حالياً مهمّ جدّاً لضبط هذا الواقع المتفلّت. أضف إلى ذلك، موجة الشائعات عن الإمتحانات وإلغاءها التي تهبّ قبيل إنتهاء العام الدراسي وتترك تأثيراً كبيراً في نفوس التلامذة.
من هنا، يجب علينا أن نتعامل مع الأمور بوعي وحكمة وتخطيط حتى لا يضيع التلميذ وكيف نحافظ على المستوى التعليمي الذي يميّزنا.

- ماذا عن حياتك الروحانية، كيف ولماذا اخترت هذه الحياة؟
كيف ولماذا، يسوع هو الذي رسم دربي بعدما تعرّفت عليه من خلال أمنا مريم والروح القدس. . كنت أبلغ 20 عاماً حين دخلت الدير، قبلها كنت أعمل في الباطون واتعلم الكترونيك وكان لدي هاجس دخول الكليّة الحربية لأصبح ظابطاً في الجيش. وبعد تمّ رفضي لعدم خضوعي للخدمة الإجبارية، أتيت إلى جزين لوداع أهلي قبل الذهاب للخدمة العسكرية وكنت حينها أقرأ رؤية يوحنا، ثم قال لي والدي أن أذهب إلى دير تأسس حديثاً في مرجعيون لأقابل الرهبان، وبالفعل ذهبت وحدثتهم، فقال لي الأب المسؤول أن أتوجّه مع أحد الإخوة إلى بيروت لمقابلة مُعلم الإبتداء الذي دعاني لفترة إختبارية، وكان ذلك يوم ٢٦/١/١٩٩٦، وبالفعل إندمجت في هذه الحياة إلى حدود اللاعودة، فهي ملعبي الذي أحب وفرحي الذي أعيشه يومياً.

- كلمة أخيرة...
في النهاية لا بدّ من الإعتراف بأن حياتنا يلزمها الكثير والكثير من العمل حتى نصبح نشبه المسيح. نحن بحاجة اليوم إلى خلع ثيابنا المخمليّة والنزول إلى الأرض لنجبل أيدينا بالتراب التي إرتوت بدم يسوع المسيح. والتربية المسيحة تبدأ داخل بيوتنا، فعبس يتعب البناؤون إذا لم يكن هناك خميرة صالحة. نحن بأمس الحاجة لأن نعمل بحسب مشيئة الله حتى نتمكّن من السير على درب القداسة.

Back to Top